الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية المؤرخ خالد عبيد: دولة الاستقلال لم تكن بالمرّة ضدّ الدين الإسلامي

نشر في  07 أكتوبر 2015  (11:40)

القاضي محمد القروي من الشخصيات المنسية من ذاكرتنا والتي تستوجب إعادة الاعتبار لها

 أصدر المؤرخ خالد عبيد منذأيام مؤلفا تطرق فيه لشخصية القاضي محمد القروي، هذا «الجندي المجهول» الذي تمّ تكليفه بصياغة مجلة الأحوال الشخصية... حول هذه الشخصية المنسيّة من ذاكرتنا الجماعية والتي تعتبر بمثابة «المؤشر الهام» لتوجهات دولة الاستقلال التنويرية ولعدم عدائها في نفس الوقت للإسلام، كان لنا حوار مع الأستاذ خالد عبيد الذي تفضل بإنارتنا حول عدد من النقاط التي تطالعونها تباعا في هذه الورقة..

-أصدرتم مؤخرا كتابا حول القاضي محمد القروي «هذا الجندي المجهول» الذي صاغ مجلة الاحوال الشخصية. فلو تحدثنا عن هذه الشخصية وعن أهميتها التاريخية؟
 محمّد القروي هو قاض شرعي تنحدر عائلته من القيروان واستقرّت في سوسة ربّما في بداية القرن التاسع عشر أو حتى قبل ذلك، والده كان باش مفتي مالكي في مدينة سوسة، وجدّه هو الذي أرسى دعائم المكانة  التي باتت لهذه العائلة بفضل التبحّر في أمور الدين والصلة بالنسب الشريفي إضافة إلى ترؤس الطريقة القادرية، ويعدّ محمّد القروي من شيوخ الزيتونة الذين يعترف بعلمهم وهو محسوب على الشق الإصلاحي التنويري ومعروف بميولاته الوطنية، تمكّن من أن «يفرض» حظوته المعنوية على سكّان مدينة سوسة والساحل بفضل دماثة أخلاقه وورعه وحبّه للخير وتفانيه من أجل الوقوف إلى جانب التونسيين في مِحَنهم آنذاك، لكن أهمّ ما يُحسب لهذه الشخصية، وهنا يعدّ الكشف عنه في هذا الكتاب «اكتشافا» تاريخيا، يتمثل في أنّ الشيخ محمّد القروي هو الذي تمّ تكليفه على أعلى مستوى دولة الاستقلال وتحديدا من قبل وزير العدل أحمد المستيري وخاصّة الحبيب بورقيبة رئيس الحكومة آنذاك لصياغة مجلّة الأحوال الشخصية، وقد تمّ ذلك بمعيّة قاضييْن آخريْن ليسا مختصّيْن في الميدان «الشرعي».
ـ وصفتم اصداركم بـ«الكتاب الراهني الذي يجيب عن القضايا التي يطرحها المجتمع التونسي اليوم»، فلو توضحون هذه النقطة؟
فعلا، هو كتاب علمي، كتاب تاريخ، يتناول سيرة تاريخية لشخصية منسية في ذاكرتنا الجماعية، اعتمد على مقاربات منهجية متعدّدة  وبعضها مجدّد كي يتمكّن من خلالها التطرّق إلى سيرة هذه الشخصية من زوايا مختلفة، تندرج كلّها في اتّجاه توضيح ما خفي عنها. لكن بالرغم من هذه الصبغة العلمية التي تنزع إلى أن يكون الكتاب موجها لأهل الاختصاص، فإنّ توجّهي كان قائما على أن يكون في ذات الوقت مفتوحا على من يرغب في القراءة ولو بدرجات، لأنّه، وإن تناول شخصية  مضى على وفاتها أكثر من خمسين سنة، إلاّ أنّه يطرح على نفسه الإجابة عن تساؤلات طرحت بحدّة كبيرة بعد 2011 بخصوص هويّة التونسيين، وماهية الإسلام الزيتوني التونسي المعتدل والمتسامح الذي لا يرى تناقضا بين الإسلام ومتطلّبات العصر والحداثة، وعلاقة دولة الاستقلال بالدين الإسلامي، صحيحٌ أنّ الإجابة هي غير مباشرة، لكن لا يمكن لأيّ قارئ لهذا الكتاب أن لا يستنتج في الأخير استنتاجات أو لنقل يجد أجوبة عن هذه التساؤلات يستوعبها لوحده، لأنّ هذه الشخصية الزيتونية، الشيخ محمّد القروي، يجسد في سيرته ما يغنينا عن الإجابة مباشرة عن هذه التساؤلات بل ويدحض بعضها دون أن يعلن ذلك صراحةً.
ـ يرى البعض أن دولة الاستقلال جاءت ضد الدين، فهل يدحض كتابكم هذا الموقف أم يؤكده؟
لم تكن دولة الاستقلال بالمرّة ضدّ الدين الإسلامي، وكلّ من يحمل مثل هذا الرأي إنّما هو يجترّ ما أسميته بـ«الخلط التاريخي» أو «اللُبْس التاريخي»، الذي وقر لدى بعض التونسيين آنذاك فحكموا على ما قامت به دولة الاستقلال في الميدان الديني بأنّه خروج على الدين ومحاربة له، هم لم يكن بوسعهم آنذاك إلاّ أن يحكموا على الظاهر، لكن تمدّد حكمهم لدى أجيال من التونسيين فباتت تحمل هذه الأفكار المسبقة والخاطئة والمتسرّعة على أساس هي الحقيقة الكلّية وما عداها هو المخطئ والجاهل...الخ، بينما الواقع والظرفية والحقيقة أبعد بكثير عن هذه الرؤية السطحية، ولتناول هذه المسألة يتطلّب الأمر تمحيصا كبيرا وبحثا متأنّيا لا يمتلكه من يدّعي مثل هذه الأمور، لأنّه لا يمكن أن يقوم به إلاّ من يطّلع على الوثائق الأرشيفية المصدرية والمؤرّخ هو المؤهّل الوحيد لاستقراء هذه الوثائق.
وهنا، يدّعي هذا الكتاب الذي بين أيديكم، أنّ هذه الدولة الحديثة لم تكن في عداء ضدّ الإسلام، لكن دون أن أنصّ على ذلك صراحة، لأنّ الغاية من تأليف الكتاب هي الإنارة العلمية وليس الإثارة الغوغائية، وما اعتماد دولة الاستقلال على شخصية دينية في مقام الشيخ محمّد القروي في إصلاح القضاء وتوحيده وخاصّة في إصدار مجلّة الأحوال الشخصية إلاّ دليل جليّ على ذلك، لأنّ القاضي محمّد القروي لم يكن أيّا كان بقادر آنذاك على التشكيك فيه وفي مكانته العلمية والدينية، لكن الفرق بينه وبين من عارض توجّهات دولة الاستقلال في الميدان الديني هو أنّه ينتمي إلى الشق الإصلاحي داخل علماء الزيتونة بينما الآخرون من المحسوبين على الشق «المحافظ» الذي يرفض أيّ إصلاح لحال جامع الزيتونة وللتعليم الذي يقدّمه.
ـ نقاط عديدة وشخصيات تم تغييبها عن التاريخ التونسي المعاصر، فكيف تفسرون ذلك؟
هو في الواقع، لم يقع تغييب في الدراسات الجامعية، يكمن الإشكال في عدم التواصل بين ما يُنجز في الجامعة التونسية من بحوث ودراسات وأطاريح  وبين العموم، الذي يعتبر جزء منه أو لديه مسلّمة خاطئة أخرى، تلقفها ممّن سبقه  وتتمثل في أنّ التاريخ مزوّر...الخ، بينما الواقع غير هذا بالمرّة، قد يكون في ما يمكن تسميته بـ«التاريخ الرسمي» خلال الفترات السابقة بعض التضخيم لقيادات أو رموز دون غيرها في المناهج التعليمية، لكن ليس هذا بمبرّر كي نقول ونكرّر بأنّ التاريخ المعاصر كاذب ومزوّر مثلما ادّعى ذلك بعض الذي كان لهم دور في الحكم بعد 2011، وعليه، إن ثمّة شخصيات لم يقع ذكرها فلا يعني ذلك أنّها غُيّبت، والدليل على ذلك  هذا القاضي محمّد القروي محور كتابي هو من المنسيين بالرغم من أنّه محسوب على صفّ دولة الاستقلال ومن المقرّبين للزعيم بورقيبة!
ليس بالأمر السهل أن تتناول كلّ تاريخ تونس المعاصر بالنظر إلى محدودية الإمكانيات المادية والبشرية، لكن أن يعني ذلك تغييبا فلا وألف لا!
ـ من هي أبرز الشخصيات المنسية من التاريخ التونسي المعاصر والتي تتطلب عملية «نفض غبار» حسب رأيكم؟
هي عديدة ومتعدّدة ولا يقتصر الأمر على من ناضل سياسيا ضدّ الاستعمار أو حمل السلاح في وجهه، وكم منهم من المنسيين فعلا الذين لا نعرف عن بعضهم أيّة معلومة، بل يشمل الأمر من لم تتطرّق إليه الوثائق الأرشيفية الرسمية، ذلك أو تلك التي «سحقتها» آلة النهب والتفقير الاستعماري لثروات البلاد، فكنّ وكانوا ضحايا غير معلنين لهذا المحتلّ الأجنبي، أو تلك المرأة التي لم يكفها جبروت المحتلّ المسلّط على أرضها وعليها فزادت معاناتها جرّاء جبروت العادات والتقاليد التي نسب بعضها زورا وبهتانا إلى الدين الإسلامي، وهو منها براء ، أو لنقل جبروت العقلية الذكورية للمجتمع التونسي التي ما زالت طاغية الآن بل رجعت بكلّ قوّة بعد 2011، ولكن نجد هذه المرأة التونسية خلال الفترة الاستعمارية تتحدّى كلّ هذه الأشواك، فمن قيّض لها أن تتعلّم أخذت على عاتقها الأخذ بأيدي بنات جنسها، وهنا أستحضر توحيدة بن الشيخ وبشيرة بن مراد وزكية الفراتي وأسماء الرباعي..الخ، وعموما، فـ«نفض الغبار» يشمل الكثير من التونسيين، لكن هل من الممكن أن يقع نفضه للكلّ وعن الكلّ؟ هذا أمر مستحيل!

شيراز بن مراد